الخطيب الشربيني
632
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
المعجزات بِهِ إِبْراهِيمَ الذي نجيناه من كيد نمروذ بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل وإسحاق ، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها ، والباقون بكسر الهاء وياء بعدها وَمُوسى الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة وتفصيلا لكل شيء وَعِيسى الذي أنزلنا عليه الإنجيل هدى ونورا وموعظة ، وادخرناه في سمائنا لتأييد شريعة الفاتح الخاتم صلّى اللّه عليه وسلم . ثم بين المشروع الموصى به والموحى إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : أَنْ أَقِيمُوا أي : أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية الدِّينِ وهو الإيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله تعالى ، ومحله النصب على البدل من مفعول شرع أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب ، وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به . ولما عظمه بالأمر بالاجتماع أتبعه بالتعظيم بالنهي عن الافتراق بقوله تعالى : وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي : ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع المختلفة فقال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] وقال قتادة : الموصى به تحليل الحلال وتحريم الحرام ، وقال الحكم : تحريم الأمهات والبنات والأخوات ، وقال مجاهد : لم يبعث الله تعالى نبيا إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإفراد للّه تعالى بالطاعة فذلك دينه الذي شرعه ، وقيل : هو التوحيد والبراءة من الشرك ، وجرى على هذا الجلال المحلي والكل يرجع إليه كَبُرَ أي : عظم وشق عَلَى الْمُشْرِكِينَ حتى ضاقت به صدورهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبدا على ما اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانية الواحد القهار ، فلأجل كبره عليهم هم يسعون في تفرقكم فإن تفرقتم كنتم تابعتم العدو الحسود وخالفتم الولي الودود . ثم نبه تعالى على أن الأمور كلها بيده بقوله تعالى : اللَّهُ الذي له مجامع العظمة ونفوذ الأمر يَجْتَبِي أي : يختار إِلَيْهِ أي : إلى هذا الدين الذي تدعوهم إليه مَنْ يَشاءُ اجتباءه وَيَهْدِي إِلَيْهِ بالتوفيق للطاعة مَنْ يُنِيبُ أي : من يقبل إلى طاعته . ولما بين تعالى أمر كل الأنبياء عليهم السلام والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كأن لقائل أن يقول : فلماذا نجدهم متفرقين ؟ أجاب بقوله تعالى : وَما تَفَرَّقُوا أي : المشركون من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي : بالتوحيد أو بمبعث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أو بأن التفرق ضلال متوعد عليه بَغْياً بَيْنَهُمْ أي : فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب ودعوا الناس إليه وقبحوا ما سواه طلبا للذكر والرياسة ، فصار ذلك سببا لوقوع الاختلاف ، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل إلا أنه تعالى أخر عنهم العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلا مسمى ، أي : وقتا معلوما وهذا معنى قوله تعالى : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ أي : لا تبديل لها سَبَقَتْ أي : في الأزل مِنْ رَبِّكَ أي : المحسن إليك بجعلك خير الخلائق وإمامهم بتأخيرهم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ضربه لآجالهم ثم يجمعهم في الآخرة لَقُضِيَ على أيسر وجه وأسهله بَيْنَهُمْ حين الافتراق بإهلاك الظالم وإنجاء المحق ، قال ابن عباس : والذين أريدوا بهذه الصفة هم اليهود والنصارى لقوله تعالى في آل عمران : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ آل عمران : 19 ] وقوله تعالى في سورة لم يكن : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 4 ] وكذلك في قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي : المتفرقين هم اليهود